"لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد
وخلف كل ثائر يموت،
أحزان بلا جدوى، ودمعة سدى!!"
عندما كتب دنقل هذه السطور الساخرة ضمن "كلمات سبارتاكوس الأخيرة"، لم يكن يعلم أننا سنسمعها اليوم بلا سخرية، ضمنا وعلنا من هؤلاء الذين تجاهلوا دماء الشهداء التي سالت لتروي تراب وطن تنكر لهم طويلا، فهبّوا يفدونه بأرواحهم..
في يوم الرابع من فبراير -بعد أيام معدودة على موقعة الجمل ومذبحة الفجر- سمعت من طبيب في أوائل ثلاثينيات عمره بالحرف الواحد "عايزين مبارك يمشي؟ ماهييجي مبارك تاني!".. لم أملك الرد، لأنه عندما يفقد الشخص القدرة على الحلم، ينتهي الأمر. لكن كلمات دنقل رنّت في أذنيّ بقوة..
غير هذه الكلمات المفجعة، الكثير والكثير من الأقوال والأفعال الشائنة، التي تصفق تارة للثوار، وتارة تطلب منهم وأد الحلم في أقصى هدوء ممكن، وأسرع وقت.. هم خائفون، ذلك أن حدقات أعينهم التي اعتادت الظلام، تكاد تحترق في النور، بعد أن نسيت أن لها الحق أصلا بالرؤية في النور..
عشت سنينا طوالا من حياتي أحلم، أحلاما خائفة، أحلاما ناقصة، أحلاما مبتورة، وأحلاما تعبت من الطيران. عندما نزلت إلى الميدان للمرة الأولى بعد اندلاع الثورة -وبدون أية مبالغة- ولدت من جديد. عرفت أن تلك الكتل البشرية التي طالما التحمنا بها مختنقين في زحام القاهرة، كلها أيضا قد ولدت من جديد. عرفت أن إيماني ضعيف جدا بالمقارنة بإيمانهم، وأحلامي تافهة جدا بالمقارنة بأحلامهم، إذ أنها ولدت من رحم تجربة ضئيلة جدا بالمقارنة بجبال همومهم. عندما التحم صوتي مع هتاف الملايين، صار لغة. عندما التحم جسدي بالكتلة الضخمة من الأجساد، صار فاعلا. عندما ارتفع رأسي، رأيت السماء للمرة الأولى، السماء التي رفعت بلا أعمدة، والقلوب التي ضربت معا في أروع هارمونية، والأرواح التي وضعت على الأكفّ، كلها.. كلها فداء الحلم
يقول دنقل:
"معلق أنا على مشانق الصباح
وجبهتي بالموت محنية،
لأني لم أحنها.. حية.
يا إخواني الذين يعبرون في الميدان مطرقين
منحدرين في نهاية المساء
في شارع الإسكندر الأكبر
لا تخجلوا.. ولترفعوا عيونكم إليّ
لأنكم معلقون جانبي.. على مشانق القيصر
فلترفعوا عيونكم إليّ
لربما.. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ
يبتسم الفناء داخلي
لأنكم رفعتم رؤوسكم.. مرة"
ليبتسم الفناء داخل كل روح طاهرة أبت أن تحني رأسها حية. ليبتسم الفناء داخل كل جسد حر كان "ذحيرة القضية". ليبتسم الفناء فيكم، أنتم الذين سنرفع رؤوسنا من بعدكم، لعلّنا ننال شرف الالتقاء بعيونكم.. وليموتوا أذلاء خرس، أولئك الذين يعبرون الميدان مطرقين.. محنية رقابهم بانتظار مقصلة القيصر..!
ريهام رجب
القاهرة
فبراير 2011
