لا شيء.. لا شيء يمكنه أن يصف قسوة الابتعاد عن الكتابة، تلك السكين التي اعتدت أن أشحذ كل صباح، فيما أسأل نفسي: "ماذا سأكتب اليوم؟"..
الكلمات كالأشلاء، مبعثرة هنا وهناك، وما امتنعت يسراي عن خطّه بات في القلب على أمل: "غدا أرى النور". كنت قد وضعت خطط الكتابة جانبا لأجل خطط عملية ارتأيت أهميتها في فترة مضت. كنت أفعل الصواب ولم أندم. ولكنّي كعاشقة، كنت أنتفض حنينا كلما مررت على رائحة كلمة تكتنز بالإبداع كحبة عنب، أو كلما طرب قلبي لسماع سطرٍ شعري نابض، أو كلما وقعت يداي المحرومتان على لوحة فنية رسمت حروفها يدان ملهمتان. ومرت الأيام وسكيني في غمده نائم، اللهم إلا من عبث ضروري كل حين وآخر، على الأقل لدرء الصدأ عن حده.
وها أنا من جديد، أعود لفتح بوابة التوثيق الإلكتروني، في هذا الفضاء الشاسع الأكثر أمنا من المجلدات المغلقة. أعود لحدف أسماكي في عرض المحيط، علّهن يتعلمن السباحة لو يقوين عليها، أو فليمتن غارقات بلا عزاء.
---------------------------
العرض الأول
على امتداد الأزرق
______
هذا الصوت
- إذ يعلو من التلاشي -
يملأ أذنيّ،
ويتردد في كياني،
حتّى تفيض به روحي،
فأنتفض،
فأعلم بقربك،
من قبل أن أراك
صوتك يا بحر..
.....
إليك آتي،
تشدني اللهفة.
على خط مائك،
أحطّ كطير مهاجر،
وأرمي الصدف المفتوح
لكائنات ماتت في حشاي
وما عدت أحملها،
خذها يا بحر..
.....
هواؤك المثقل بالرطوبة،
وزفراتِ العاشقين،
هواؤك المحبب،
يحرق صدري
كتبغ عجوز يتكيّف
بدخان الصباح!
.....
على هذا الشاطئ بيننا
عمرٌ يا بحر..
قدماي الصغيرتان تعدوان
كمخالب طير..
جسدي البض يُشد باتجاهك،
مسنودا بذراع أب،
يهيم في مائك،
ويطفو على دفئك..
ذراعاي يحترقان تحت شمسك حتى النضج،
ويشتدّان على ضرب موجك..
ورملٌ غارق، وريمٌ سابح،
ولحظاتٌ بعدّ الملح
ربّت قلبي على حبك..
.....
صلبةٌ يا بحر
ها أنا ذا..
أملأ روحي بعزمك،
ولا أنحني أمام اللطمات.
أضرب بموجي هنا وهناك،
ويرفعون الراياتِ السوداء
في استقبال غضبي!
.....
هشّة يا بحر،
إذا رميتُ في مائك قلبي
طفا كلعبة طفل،
واحمرّ بالنبض
كأن لم يتجلط فيه الدم‘ بالحسرة،
ألفَ مرّة..
.....
خطوةٌ للأمام يا بحر،
وفيك أسقط
كحجر ضال أنكرته الأرض،
وأعمته الطرق،
وتقاذفته الأقدام،
حتّى عاد إليك..
مدّك يدفعني،
وجذرك يسحبني،
وموجي، أرميه عليك..
وبدون شاهد واحد
في بكر صباحنا يا بحر،
أولد فيك من جديد..
.....
ريهام رجب
بين القاهرة، الشرقية، وبورسعيد
سبتمبر 2010
